أسناني الأوف وايت ...مقال

أسناني الأوف وايت ...مقال












































''); ;







إلى كل الذين لم ترهبهم عيادات تجميل الأسنان بدعاياتها المبالغ فيها، وإلى كل الذين يعتقدون أنهم مازالوا قادرين على الابتسامة بقلبهم الأبيض وأسنانهم «الأوف وايت»، وإلى كل الذين يعتقدون أن حشر 1500 دينار في الفم ليس من أولوياتهم... إلى هؤلاء جميعاً أقول «صباح الخير».

بدأت حالتي تسوء في الفترة الأخيرة خصوصاً كلما وقفت وحيداً في حجرتي أنظر في المرآة وابتسم لتظهر أسناني «الأوف وايت» صارخة في وجهي كصرخات فتيات مرحلة ابتدائية فتحت لهم أبواب المدرسة قبل انتهاء وقت الدوام الرسمي، ورغم كل محاولاتي بإقناعها أنها مازالت تحمل لوناً فريداً من نوعه حيث إنها أصبحت اللون «الأوف وايت» الوحيد في بحر بياض أسنان الأصدقاء الذين سحرتهم ابتسامة هوليوود، إلا أنها تبدي وجه العبوس، وتهدد بأنها ستنتقل قريباً من لونها «الأوف وايت» إلى اللون الأصفر بل وظهور تلك الخطوط السوداء بين حوافها ما لم أذهب إلى أقرب عيادة لكي أغطيها بطبقة البياض.

أصاب بخيبة أمل ثم أجلس على حافة السرير، وأنا أتحسس رأسي لإخراج كل الحجج المنطقية التي ربما تساعدني في تهدئة ثورة الغضب التي أصابت هذا الفم. أقف وأتجول في الحجرة بشكل دائري كفلكي يحاول فك لغز أهليجية دوران الكواكب، وبعد كل ثلاثة مواسم مكتملة أقف أمام المرآة مرة أخرى وأنا أردد «لا توجد قوة جاذبية في الأرض تستطيع أن تجبرني على أن أمحو السجل التاريخي لفمي... إن لون أسنانك هو السجل التاريخي لكل ما مر على هذا الفم من نيوكوتين وكافيين وشاي وألوان صناعية وحامض الفوسفوريك الموجود في المشروبات الغازية... وكل ذلك من أجل ماذا؟، ابتسامة غالباً ستكون مصطنعة، يا للهراء»!

تدخل زوجتي الحجرة وهي تردد «لا حول ولا وقوة إلا بالله... إنت ما راح تبطل هالعادة، تكلم نفسك جدام المرايا»! ثم تهمم بكلمات تامات من شر الجنون وما إذا أصابتني عين حسود، فلا ألقي لها بالاً وأنا شاغر فمي أمام المرآة أتلمس أسناني مقدراً عمرها الافتراضي قبل أن تنفذ تهديداتها.

انشغل بالي بهذه المسألة حتى أصبحت أفرش أسناني بحالة من اليأس سببتها كمية الإعلانات التي أشاهدها على باصات المواصلات وفي الشوارع والتلفزيون والجرائد ومع كل ضحكة لأصدقائي تظهر لي عبارة «الابتسامة لا تصنعها النكتة أو المفارقة ولكن تصنعها العيادات أيضاً».

ثم أقدم السلوى لنفسي على اعتبار أن الجميع سقط في فخ ثقافة الصورة والنزعة الاستهلاكية التجميلية ثم أسترجع كل تراث عبدالوهاب المسيري رحمه الله في الحضارة المادية. استيقظت من نومي بالأمس في منتصف الليل، مفتوح العينين حدقت في سقف غرفتي على خلفية مواء القطط أسفل نافذتي التي تطل على شارع فرعي تجتمع فيه أنثى القطط، وفكرت أن أخرج إلى الصالة، ولكن قبلها عليّ أن أذهب للمطبخ لأحضر كوباً من الشاي ثم أجلس أمام التلفاز مقلباً القنوات مثل طفل لا يعرف ماذا يريد، ولكنه يتوقف عند أفلام الستينات، ولكني تذكرت أنه في الأيام الثلاثة الماضية تكررت هذه الحالة بخطواتها الكاملة وأنني أثناء مروري أمام الباب المفتوح لغرفة الأطفال سأدخل وأشعل إضاءة الحجرة غير مبالٍ بأحلامهم، وأقترب من المرآة متفقداً أسناني «الأوف وايت» ما يعكر صفو الصفاء الذهني مع كل رشفة من كوب الشاي الذي ينتظرني...





''); ;





ولذلك فقد آثرت عدم الخروج من الحجرة وبقيت مستلقياً في فراشي... فتحت النافذة ورمقت القطط بنظرة اشمئزاز قائلاً للذكر المزعج الذي بينها «يوماً ما سأحضر كلباً يفرق جمعكم ويشتت شملكم أسفل نافذتي». ابتسم القط اللعين فظهرت أسنانه البيضاء تلمع في الليل... قلت له «تبا لك... حتى أنت يا بروتس»!.

وضعت رأسي على وسادة من القطن الكاميروني ومواء القطط ومئات الصور لإعلانات عيادات الأسنان في خاطري ثم نمت.

في الصباح كان على مكتبي إفادة تأخير من مديري في العمل.المواضيع المتشابهه:





































''); ;